الخميس، 21 يناير 2016

"ما أنا بقارئ!!"

قصتي اليوم لها جذور تاريخية، ولست أسعى هنا إلى حصد معجبين بما أكتب، بقدر ما أحاول أن أفصح عن جانب أزعم أنه كان فيه من السلبية ما يجعلني اليوم في حيرة شديدة من أمري، عاجزا عن التدبر والتفكر، غير قادر على الإلمام بأمور عدة، ولن أعمد أبدا في هذه المرة إلى الاستشهاد ببعض الآيات والأحاديث التي تحض على السعي لطلب العلم والمعرفة والتفكر والتدبر والتأمل، ولكن إن سمحتم لي، دعوني أنتقل بكم إلى جوهر ما تأثرت به من تجربتي، وما لها من آثار سلبية أكثر منها إيجابية، بتلك الحادثة البسيطة الراسخة في أذهان الجميع، حيث إن الله تعالى عندما أنزل الوحي على سيد المرسلين وخاتم النبيين، أمره بالقراءة، فكانت أول كلمة نزلت من القرآن الكريم هي "اقرأ"، ومن هنا، أبدأ معكم رحلة معاناتي، رحلتي من الشك إلى اليقين..

منذ أيام الدراسة الأولى، شهدت صفحات كتبي الدراسية ودفاتري على موهبة عظيمة أنعم الله بها علي، ولكن ذلك لم يكن شيئا أخص به نفسي، فمعظم بني جيلي قد حباهم الله ذات الموهبة، فكنا نتنافس فيما بيننا عن طريق استعراض مهارات القراءة والكتابة، التي تختلف في طريقتها من النصوص، إلى الأدب والشعر، والمقالات والتقارير، بل حتى استعراض مهارة كل واحد منا في كتابة الرسائل الشخصية، وقت أن كانت الهواتف المحمولة حديثة العهد بنا، حيث ما زلنا نعتمد اعتمادا أساسيا على الورقة والقلم، دون أن يلفت أحد انتباهنا إلى تلك المهارة والموهبة المتأصلة فينا ونحن لا نزال أطفالا في عمر الزهور، وكأن فطرتنا كانت تلبي نداء الطبيعة، دون الحاجة إلى من يلقنها ذلك، فكان الجميع يكتفي بالإنصات وإبداء الإعجاب بهؤلاء الصبية الذين كان لديهم من البراعة ما جعلهم من أشهر الطلاب وأميز الطلاب بين المراحل العمرية المختلفة، حتى أن ساحات الطابور الصباحي كانت شاهدة على إبداعنا أمام ميكروفون الإذاعة المدرسية، وكأنها أمسية أدبية يلتقي فيها خيرة الأدباء العظام، كيف لا وقد كان لمدرسينا الفضل الكبير في ذلك وقتها، وإني لأتذكر أهم ثلاثة منهم، الأول هو المعلم الجليل محمد أبو الريش، الفلسطيني الجنسية، والذي دائما ما كان يداعبني أمام الجميع بلقب "المذيع الصغير"، أما الثاني فهو المعلم الجليل عبد الرحمن مسلط، وهو فلسطيني أيضا، وقد كان له تأثيرا قويا في بداية التعاطي مع القواعد النحوية عن طريق المناظرات الطلابية التي يعقدها بيننا للحديث عن المدارس المختلفة في علوم النحو كمدرسة سيبويه، أما الثالث، فكان له الأثر الأقوى، وقبل عرض ذلك، دعوني لا أغفل ذكر اسمه، فهو معلمي القدير وليد الزيد، السعودي الجنسية، والذي زرع فينا اتجاها جديدا باستخدام اللغة العربية، فعلى مستوى المنهج الدراسي، كان يميل إلى الموضوعات المتعلقة بالشعر والأدب، وكيف أننا عشقناها من خلال طريقته الشيقة في العرض والسرد، أما على الجانب الآخر، فكانت حصته لا تخلو من المناقشات في كافة المواضيع، السياسية والاقتصادية والرياضية والفنية، حتى أنه كان يعمد إلى تكليف كل طالب منا بعمل بحث عن إحدى الشخصيات التي يختارها هو، ثم نقوم بمناقشتها أمام جميع الطلاب، ولك أن تتخيل عزيزي القارئ أن هؤلاء الصبية مكلفون بالبحث عن شخصيات مثل ابن خِلِّكان، وأبي العتاهية، وديك الجن، وديستوفسكي، وإني لأحمد الله أن شخصية توليستوي صاحب رواية الحرب والسلام كانت من نصيبي، لا لكثرة معلوماتي عنها، ولكن لسهولة البحث عن شخصية يبدو اسمها مألوفا لدي بعض الشيء، ولعل أكثر الأسماء المطروحة للبحث حداثة، هو الشاعر السوداني الهادي آدم، صاحب قصيدة "أغدا ألقاك"، التي غنتها كوكب الشرق أم كلثوم. على إثر ذلك فقد ساهم هذا المعلم -وليد الزيد- بشكل قوي وفاعل في الارتقاء بالمستوى الفكري والثقافي والأدبي لأطفال لم تتجاوز أعمارهم الخمسة عشر عاما بشكل ملحوظ، إلا أن بداية الخيبة بالنسبة لي كانت منذ أن أصبحت في المرحلة الثانوية، ومنها إلى مرحلة الجامعة، فمنذ ذلك الحين، تلاشت تماما كل القدرات والمهارات في الكتابة والقراءة، وأصبحت مختزلة وقاصرة على مجرد معلومات يتم تفريغها على ورقة الامتحان، ومن هنا، انتهت علاقتي تماما بالقراءة والكتابة، فما كان مني إلا أن أصبحت شخصا عاديا تقليديا، ذا أفكار رتيبة مضطربة لا أساس لها، ولا أتحمل حتى عناء البحث عن صحتها من عدمها، كيف لا وقد أهملت أهم مصدر من مصادر المعرفة وهو القراءة، لتقتصر معرفتي على موروثات الأهل، والعادات والتقاليد المليئة بأفكار مشوهة، والتسليم بها لمجرد أنها نقلت إلي من أناس لهم مني كل التعظيم والإجلال، فهم أهلي، ولكنهم بطريقتهم الكهنوتية، جعلوا مني شخصا لا يفكر، لا يستخدم عقله، وطبعا هم لم يقصدوا ذلك قط، ولكن، هكذا تربوا، وهكذا ربوا، وهنا أقع في الإثم الكبير الذي اقترفته في حق نفسي أنا أيضا، فمادمت شخصا بالغا مكلفا عاقلا له عقل، أصبح واجبا علي أن أقرأ وأبحث، لاهثا خلف المعرفة بكل وسائلها، فهي سر التقدم والقوة، نعم، القوة تكمن في العقل، والعقل لن يكون قويا إلا بالمعرفة، والمعرفة لن تأتي إلا بالقراءة، فقد أخطأت في حق نفسي حينما كنت أشدو بتلك الجملة البغيضة: "القراءة عدوي اللدود"، فحق علي القول المأثور: "على نفسها جنت براقش"، حقا لقد أجهزت على نفسي حين استسلمت لتلك الجملة، فتركت نفسي تائها في غياهب الدنيا، لكن المعجزة الإلهية -من وجهة نظري- لم تشأ أن تتركني هكذا، عاجزا عن سبر أغوار العلم والمعرفة، فكان لإحدى الشخصيات العزيزة على قلبي كل الفضل في ذلك، عن طريق فك طلاسم الأمور الجدلية بالنسبة لي، لتكون هذه المرحلة هي نقطة البداية لعهد جديد، بدأته متأخرا نوعا ما، ولكننا لا يجب أن نستسلم لتلك المحبطات، فنحن مطالبون بطلب العلم من المهد إلى اللحد.

عزيزي القارئ، اقرأ، ثم اقرأ، ثم اقرأ، ولا تبخل على نفسك بالمعرفة، اخترق المجهول، فكر واستخدم عقلك، لا تجعل معرفتك قاصرة على التلقين والنقل، فالعقل يثبت النقل، ولا تخف من الخطأ، بل إن عليك أن تخطئ، فبدون الخطأ لن تستطيع أن ترشد نفسك إلى الصواب، فبعد كل ظلمة لابد من وجود النور، والعلم هو النور، والجهل ديجور.


٢٥ أكتوبر ٢٠١٥ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق